2011/02/28

الشيعيون .. ومرض فقدان القدرة على الاقناع

في كتابه "تاريخ العراق السياسي الحديث" يستخدم المؤرخ عبد الرزاق الحسني مفردة "الشيعيون" .. ولكنه يطلقها على جميع الشيعة.. اي ان الحسني يستخدم مفردة "الشيعيون" كمرادف لمفردة الشيعة ومعناها العام السائد .. انا ساستعير من الحسني مفردة "الشيعيون" ولكني سامنحها معنى اخر.

مفردة "الشيعيون" عندي تنحصر بصنف محدد من الشيعة .. فليس كل من ولد لعائلة شيعية هو "شيعوي" .. ما يميز الشيعيون عن غيرهم من الشيعة هو انهم يهدفون الى جعل الطائفة البنية الاساسية للتنظيم السياسي في العراق .. الشيعيون يرفضون النظر للفعل السياسي خارج حدود الطائفة .. واكثر ما يخشاه الشيعيون هو ان يخرج الفعل السياسي من اطار الطائفة.

من هنا فالخوف الذي اعترى الشيعيون مظاهرات الاسبوع الماضي هو ليس من البعثيين او من القاعدة او الجهات المشبوهة .. لا .. ما ارعبهم هو احتمال خروج عدد كبير من الشيعة من "سياج" الطائفة .. ما اخافهم هو خروج الفعل السياسي في العراق من سجن المطالب الطائفية .. ما اخافهم هو ان يعمل السنة والشيعة في اطار سياسي عابر للطوائف .. اخافهم ان يتجمع الناس سياسيا من اجل مطالب اجتماعية عامة وليست طائفية .. من هنا مسارعة الشيعيون لطرح الامر طائفيا عبر مفردات "الجهات المشبوهة" والبعثيين والوهابيين .. لا بل ان بعضهم قالها بوضوح حين رفع فزاعة "احفاد بني امية"!!

يستطيع الشيعيون استغفال وتخويف بعض الشيعة كل الوقت ولكنهم لن يكونوا قادرين على استغفال كل الشيعة كل الوقت .. وكلام ليث منتصر يؤكد ذلك .. ليث هو شاب فقير من انصار الصدر .. ليث قال قبل المظاهرة الاخيرة إنه «على رغم تراجع الهيئة السياسية للتيار الصدري عن دعوتها إلى التظاهر لكني سأخرج للمطالبة بحقوقي وحقوق هذا الشعب التي نهبت» وأضاف: «أنا شاب تجاوزت الخامسة والعشرين وعاطل من العمل وليس لدي مسكن أنا وعائلتي. كان أملنا في قادة التيار الصدري بإنصاف المظلومين في البلاد لكنهم ما أن تذوقوا حلاوة السلطة وانغمسوا بنعمتها حتى نسوا من أوصلهم الى هذه المراكز» .. انتهى.

في السابق كان الشيعيون يقولون لامثال ليث "انتم فقراء لان الحاكم سني" .. في السابق كانوا يقولون للفقير الشيعي انت فقير لانك شيعي في دولة يحكمها السنة ..اليوم وبعد ثماني سنوات فساد من حكم "الشيعيون" ما عاد الفقير الشيعي يصدق تلك الحجة .. ليث لم يعد يصدقهم .. السلطة تعري اكاذيب الشيعيين.

لك ان تجند كل الائمة والقديسين .. لك ان تجتر ليل نهار خطب وخطابات نهج البلاغة.. لك ان تدعي انك من "فروخ النبي" .. ولك ايضا ان تدعي انك تملك وكالة مفاتيح الجنة ودكاكين صكوك الغفران .. ولك بعد هذا وذاك ان تستخدم الفزاعة البعثية لكي يرتجف الاتباع .. لك كل هذا .. ولكن بما انك فاسد .. بما انك في الواقع حرامي .. فان الناس لن تصدقك .. طالما انك حرامي وفاسد ومن العيار الثقيل .. فان خطابك مصاب بمرض فقدان القدرة على الاقناع.

2011/02/19

"الشعب" يريد انقاذ النظام !!

يقال ان مقتدى الصدر استلم رسالة استفتائية من اتباعه قبل اسبوع .. فحواها ان المظاهرات تعم العراق وهي بلا قيادة وهم يخشون ان تستغلها بعض الجهات المدعومة من الخارج مما قد يتسبب في ازدياد الوضع العراقي تازما.. مقتدى الصدر رد على اتباعه باسلوب رجال الدين الشيعة المعهود باللف والدوران .. باختصار تظاهروا من اجل حث الحكومة على تقديم الخدمات.. ويبدو لي ان مقتدى قد ندم على الرد المستعجل لان الامور على الواقع بدأت تأخذ ابعاد خطيرة خصوصا بعد ما جرى في الكوت.. من هنا نفي الناطق باسم التيار الصدري صلاح العبيدي يوم امس ان يكون التيار قد دعى للتظاهر .. اما النائب الصدري جواد الحسناوي فقد قال يوم امس ايضا أن «تبني التيار الصدري تظاهرات جماهيرية احتجاجاً على تردي الخدمات لا يعني أن التيار يسعى إلى تقويض حكومة المالكي وإفشالها» .. هذا التضارب في التصريحات يخبرنا ان الشيعيين يرفعون شعار "الشعب" يريد انقاذ النظام !!

تلميح الصدريين من ان تستغل المظاهرات بعض الجهات المدعومة من الخارج (وهم يرمزن هنا للسنة والبعثيين) هو نفس ما قاله المالكي والكثير من الشيعيين مؤخرا.. من اجل ارسال رسالة تخويفية الى شيعة العراق من ان "بني امية" بالمرصاد لـ "فروخ النبي".. اذا من قال ان المظلومية ماتت ؟ من هنا فشعار الشعب يريد اصلاح النظام هو شعار ساذج لايتناسب مع المشكلة العراقية.. اولا لان العراق لايمتلك ما يمكن تسميته نظام .. لا سياسيا ولا امنيا .. وفشل تشكيل حكومة كاملة بعد سنة من الانتخابات هو دليل انعدام مفهوم النظام سياسيا .. وما جرى في الكوت قبل ثلاثة ايام حين هرب المحافظ امام المتظاهرين هو دليل انعدام مفهوم النظام امنيا.. وما حصل في الكوت يمكن ان يحصل في كل محافظة عراقية .. العراق منذ ثماني سنوات هو دولة هشة ليس فيها ما يمكن تسميته بالنظام.

ثانيا، شعار الشعب يريد اصلاح النظام هو شعار ساذج لان المشكلة الحقيقية في العراق ليست الفساد .. المشكلة في العراق تكمن في الطائفية التي نراها هنا في خطاب "الشيعيين" .. المشكلة في محكية المظلومية التي كرست التخندق الطائفي القرووسطوي المخرب للنفوس .. ومن لايفهم ذلك فهو لايفهم اسباب خراب السنوات الثماني الاخيرة .. من هنا فالمشكلة هي مشكلة ثقافة وليس مشكلة اشخاص او احزاب .. يكفي ان تقرأ بعض علمانيو "النص ردن" من الشيعة لكي تفهم ذلك .. هولاء الذين لم يحركوا ساكنا عندما تم كتابة الدستور الطائفي .. تراهم يتظاهرون اليوم من اجل اصلاح النظام لكي يسمح لهم بشراء "بطل عرك" .. حتى في "عركهم" هناك طائفية .. ساذج من يعتقد ان تغيير اشخاص سيحل مشكلة الفساد .. وساذج من يعتقد ان وضع البرادعي محل مبارك ..او جعفر محمد باقر الصدر محل المالكي سيحل مشكلة الفساد ..انا كنت اتمنى ان يحصل جعفر محمد باقر الصدر على رئاسة الوزراء بعد الانتخابات.. لانني اثق بمقولة مارتن لوثر "ان تكون حاكما من دون ان تكون فاسدا هو شيء شبه مستحيل".. وبهذا المعنى اذا اردت فضح شخص ما فامنحه سلطة.

اكبر خطأ ارتكبه معاوية هو انه لم يسمح للحسين باستلام السلطة خلفه .. لان الحسين لو كان قد مارس سلطة لما حصل على هذه الهالة الاسطورية التي تمنحها اياه الثقافة السحرية الشيعية .. الحسين الذي كان ينكح الجواري في المدينة ويقبل هبات وعطايا معاوية .. تذكّر فجأة عندما حاصره جيش يزيد ان هناك "فتوحات" اسلامية طالبا ان يتركوه لكي يذهب للجهاد مع الجيوش الفاتحه .. المؤرخ الالماني فلهاوزن يقول ان الرواية التي تركها لنا ابو مخنف الشيعي الهوى عن مقتل الحسين تبقى قيّمة زمانيا رغم مبالغاتها الهائلة .. انا اعتقد ان هذه المبالغات هي التي قتلتنا وتقتلنا منذ قرون.
قلت سابقا المجد للفساد.. وتمنيت قبل الانتخابات الاخيرة ان تمنح الاصابع البنفسجية اربع سنوات اخرى للاحزاب الشيعية..لانني اعتقد ان ممارسة الشيعة للسلطة هي الوسيلة العلاجية الوحيدة للسايكولوجية الشيعية الباثولوجية .. قرون من الوقوف على حافات التاريخ .. قرون من الهامشية والاستمناء الفكري لنهج البلاغة .. اكسبت الشيعي وهم الضحية .. والاخطر من ذلك انها منحته وهم النقاء.. وحان الوقت لكي يفهم الشيعي واقع السلطة.. حان الوقت لكي يفهم ان مشكلة السلطة لاتكمن في كون الحاكم سني.. حان الوقت لكي يفهم ان الطائفية السياسية هي اشكالية شيعية.

فساد الثماني سنوات الاخيرة قد حيّد الكثيرين من الشيعة طائفيا .. وانت عندما تسمع ما يقوله بعض الشيعة اليوم وتقارنه بما كان سائدا قبل ثماني سنوات .. ستعرف ان نخب الشيعة بدأوا يدفعون ضريبة السلطة .. ولكن محكية المظلومية لم تتلقى بعد الضربة القاصمة .. من هنا فانا شخصيا لا اضم صوتي الى شعار "الشعب يريد اصلاح النظام" .. اولا، لان من فرضه على التظاهرات هم علمانيو "بطل العرك".. وثانيا لان "النحت في خشب متعفن هو شيء مستحيل" كما يقول الحكيم الصيني كونفوشيوس.. وثالثا، لانني اريد للفساد ان يستمر لكي تتلقى محكية المظلومية ضربة قاصمة.. لن يكون هناك عراق بوجود محكية المظلومية المكرسة للتخندق الطائفي القرووسطوي.

باختصار .. الخشب القرووسطوي العفن الذي "يحكم" العراق لا يمكن نحته .. لايمكن اصلاحه.. والعلاج هو تركه اطول فترة ممكنه يبعث روائحه الكريهة .. لكي يزكم الانوف .. علّه يوقظ من لا زالوا ينامون في سقيفة بني ساعدة..لا اثق بعلمانيو "بطل العرك" .. لكنني احتفظ ببعض امل في الشباب القادم .. فنسبة السكان تحت سن الخامسة والعشرين في العراق اليوم تزيد على ٦٠٪ من عدد السكان .. وهي اكبر نسبة في العالم العربي .. واذا ما رفع هذا الشباب ذات يوم شعار : الشعب يريد اسقاط الطائفية .. او اسقاط المظلومية .. عندها فقط سيتنفس العراق هواء نقيا .. وسيحيا من جديد.

2011/01/31

مصر ليست موقعا على الفيسبوك

تعليقا على ما حصل في تونس موخرا نشر ابو الحسن بني صدر مقال في النيويورك تايمز عنوانه " ما تعلمته من الثورة الايرانية الفاشلة" .. في هذا المقال يحلل بني صدر ما عاشه ايام الثورة الايرانية كاحد قادتها ويبين سبب فشلها ديمقراطيا .. ما يستوقفني في هذا المقال هو قول بني صدر ان الثورات تنجح ديمقراطيا فقط عندما يتم هدم النظام السابق كليا وبناءه من جديد .. وهو لذلك يعتبر ان دخول قادة الحركة الجماهيرية في تونس في مفاوضات مع نخب النظام السابق من اجل تشكيل حكومة انتقالية هو خطأ كبير.. لان الحرس القديم سينتهز الفرصه ويعيد بناء نفس المنظومة القديمة.

اعتقاد بني صدر بان هدم النظام السابق كليا والقطيعة مع نخبه هو شرط نجاح الديمقراطية ينم عن سطحية مذهلة .. فاغلب الثورات في التاريخ الحديث ومنها الثورة الايرانية نجحت في هدم النظام السابق واجتثاث نخبه ولكنها لم تنتج غير العنف والتسلط .. المفكر الفرنسي توكفيل في كتابه الشهير "النظام السابق والثورة" يقول لنا : "ان الحكومات التي خرجت من رحم الثورة الفرنسية كانت مئة مرة اكثر سلطوية من حكومات النظام الملكي" .. والثورة البلشفية كانت ثورة هدمت النظام القيصري كليا ولكنها انتجت التوتاليتارية السوفيتية وشيدت جمهوريات الاسلاك الشائكة.
فكرة ان الثورة لكي تنجح لابد ان تهدم النظام السابق هي فكرة تنتمي فلسفيا الى الديالكتيك الهيغلي/الماركسي الذي يؤكد على النفي/ الهدم كاساس للتقدم .. وهو الديالكتيك الذي سهّل كل جرائم الثورات الحديثة .. كل الثوار ما ان استلموا سلطة حتى تحولوا الى مجرمين ..ولسان حالهم كان يقول "لكي تعمل "عجة " لابد من كسر "البيض" !! كثيرون ممن حكموا بلداننا كانوا قبل عقود ثوريين ينادون بالقضاء على الفساد ويجترون شعارات النقاوة الثورية .. وما ان استلموا الحكم حتى اصبحوا افسد بمئات المرات من السلطات التي حكمت قبلهم .

انا اعتقد ان دخول بعض قادة المعارضة في تونس في مفاوضات مع نخب النظام السابق من اجل تشكيل حكومة انتقالية هو دليل نضج سياسي .. وما يحصل اليوم في مصر سيجعلهم يعون ذلك اكثر فاكثر .. لا بل انني اعتقد ان هذا هو شرط نجاح اي تغيير سلمي في بلداننا العربية الهشة مؤسساتيا.. وسبب نجاح هذا النموذج التونسي هو لانه نقيض لنموذج "اهدم كليا ثم ابني من جديد" .. اي انه غير انتقامي .. مما شجع نخب النظام السابق في تمكين وتسهيل التغيير السياسي .. والبلد هو الرابح الاول.. ومصر ستربح كثيرا اذا ما استعارت هذا النموذج التونسي .

واحدة من اهم مساوئ منطق "هدم النظام السابق كليا وبناءه من جديد" هو انه يهدر طاقات ويضيع خبرات تراكمت في النظام السابق .. كل التغييرات الثورية شكلت نكسة من الناحية الاجتماعية والاقتصادية للبلدان التي حدثت فيها .. لانها دفعت النخب للهجرة ومعها ضاعت خبرات لا تقدر بثمن .. وكل التغييرات الثورية جلبت للسلطة اناس بلا ادنى خبرة في شؤون الادارة مما تسبب في كوارث ادارية.

 في الايام الاولى للثورة الروسية طلب لينين من ستالين ان يدير "وزارة" القوميات .. ولكن ستالين رد على لينين قائلا بانه لا يمتلك خبرة في ادارة وزارة .. وهنا ضحك لينين قائلا لـ ستالين " وهل تعتقد انه يوجد بيننا من من يمتلك خبرة في شؤون الحكم".. وهكذا كان .. ملايين من البشر دفعوا حياتهم ثمنا لعدم خبرة ستالين ورفاقه .. اجيال كاملة في منطقتنا .. وخصوصا في العراق .. ضاعت لان اشباه ستالين وجدوا انفسهم ذات ثورة او انقلاب او احتلال في موقف ستالين .
الكاتب الفرنسي بول بورجيه يقول ان"الثورة يفتتحها دائما سُذّج، ويواصلها مغامرون ، ويختتمها مجرمون" .. ولكي نتجنب المجرمون في المستقبل علينا ان نعري السذج وشعارات السذج منذ البداية .. ما لا يجب ان ينساه رافعي شعارات الثورة هو ان حسني مبارك الفاسد هو احد ابناء ثورة يوليو التي رفعت شعارات القضاء على الفساد.. باختصار.. نعم للتغيير بتدرج .. اي باعتدال وعدم الانجرار خلف الشعارات الثورية الاجتثاثية .. لان الفوضى في مصر ستقتل كل منجزات التغيير والحرية .. لذلك على مصر ان تحذر من الغوغاء.. بلطجية كانوا ام "مثقفون" سُذّج يعتقدون أن ادارة دولة مثل مصر كادارة موقع على الفيسبوك.

2011/01/16

الغوغاء والتغيير السياسي

ان يتخلى رئيس او رئيس وزراء غربي عن منصبه امام ضغط الشارع هو دائما حدث مدهش .. ولكن ان يتخلى رئيس عربي عن منصبه امام ضغط الشارع فهو شيء ما كنا لنتخيله حتى في احلامنا .. من هنا فما حصل في تونس قبل يومين يشكل علامة فارقة في تاريخ العالم العربي .. واذا ما نجح هذا النموذج التونسي فانه سيقدم شحنة سايكولوجية .. والاهم نموذج عملي وفكري للشارع العربي .. نعم اذا ما تجاوز النموذج التونسي هذا الاختبار الصعب جدا .. فان مفهوم المواطنة والمواطن في العلاقة السياسية سيطرد مفهوم الحاكم والمحكوم او الراعي والرعية البهائمي .. وهذا المفهوم البهائمي كان ولازال اهم اسباب خرابنا .. نحن اذا امام حدث سياسي هائل بكل المقاييس.

الخطر في مثل هذا النموذج من التغيير في البلدان التي لاتمتلك تراكما مؤسساتيا هو ان فراغ السلطة يترك المجال مفتوحا امام الغوغاء الذين لاينظرون للامر الا من زاوية الشرطة والحرامية .. يغيب الشرطي فيظهر الحرامي .. وللاسف فان ما يحصل في تونس من افعال نهب وسلب وحرق للمتلكات العامة يهدد بتحريف معنى هذا الحدث السياسي الهائل .. والاخطر انه قد يؤثر على طبيعة وتوجهات الحكم القادم ..الغوغاء كانوا دائما عنصر محرف للاحداث السياسية .. وهم في عالمنا العربي كانوا دائما سندا للديماغوجيات اليسارية والاسلاموية.

محزن جدا ان ترى فعل الشاب التونسي الذي احرق نفسه واشعل بذلك شرارة الغضب والتغيير .. قد تحول عند الغوغاء الى افعال نهب وسلب وحرق لممتلكات الدولة .. هناك من يقول ان هذه الافعال هي من تدبير عناصر النظام السابق .. لسوء الحظ التاريخ يقول لنا ان هذه السلوكيات الغوغائية ترافق كل فراغ في السلطة .. ونحن في العراق اختبرنا ونعرف جيدا قدرة الغوغاء على تحريف وقتل معاني الاحداث السياسية.

البعض قد يفكر بما حدث في الايام الاولى من الاحتلال الامريكي .. انا شخصيا انظر للحدث التونسي واقارنه بما حصل بعد الانسحاب الكارثي للجيش العراقي من الكويت .. فقط من عاش جحيم تلك الايام يعرف المشاعر التي ادت الى انتفاظة الجيش العراقي عند دخوله الى البصرة .. والقذيفة التي دمرت جدارية صدام في ساحة سعد انطلقت من دبابة ضابط عراقي تلقى صفعة رمزية من قبل سلطة متهورة.. للمرة الاولى في حياة جيلنا كان هناك امكانية تغيير داخلية للنظام .. والجيش الذي انتفض كان الوسيلة الوحيدة للتغيير انذاك .. وهنا تدخّل الغوغاء .. ليس فقط نهبا وسلبا وحرقا للممتلكات العامة .. ولكنهم رفعوا شعارات طائفية : "ماكو ولي الا علي ونريد حاكم جعفري".

احد الكتاب الشيعة (حيدر سعيد) كتب قبل فترة يقول : "أن هذا الشعار الإسلامي فُرِض على "ثوّار" آذار 1991، و أنه جرت أسلمة قسرية للانتفاضة".. من دون ان يقول لنا كعادة الكتاب الشيعة مَن فرض على مَن !! خوفا من "تشوير" دريلات السادة !! لقد صدمتنا هذه الشعارات الطائفية انذاك نحن الذين كنا نتمنى تغيير النظام .. الطائفية لم تكن ثيمة جديدة في تاريخ العراق عند البعض .. ولكنها كانت المرة الاولى في تاريخ العراق الحديث التي ترفع فيها شعارات بهذا الوضوح الطائفي وفي تلك اللحظة المصيرية.. في تلك اللحظة لم تمت فقط امكانية التغيير داخليا ولكن ماتت معها فكرة العراق.. ونحن اليوم ندفع ثمن تلك اللحظة الغوغائية.

باختصار ..عندما يظهر الغوغاء تضيع امكانيات التغيير.. واكثر ما اخشاه في تونس اليوم هو تحالف الغوغاء مع الاسلامويين .. فالغوغائي الذي يسرق اليوم سنجده غدا يصلي بقطيعية في الجامع.. كما حصل في عراق الحسينيات .. واذا ما حصل ذلك فلن يكون هناك تغيير حقيقي وانما تغييرشكلي .. عندها سيكون مفهوم الحاكم والمحكوم قد خرج من الباب ليعود من الشباك متخفيا تحت عباءة مفهوم الراعي والرعية البهائمي .. تجربة العراق تعلمنا الاتي : حيث يسود الغوغاء يظهر "مقتدى الصدر".. وحيث يظهر مقتدى الصدر تختفي الحضارة .. فهل ستفعلها تونس وتنقذنا من هذا العقم السياسي؟

2010/12/31

استكان شاي مع ايتيان دولابويسي

اعتقد ان "خطاب حول العبودية الطوعية" لـ ايتيان دولابويسي هو اروع ما انتجه الادب الانساني عن ثيمة الحرية والعبودية.. في هذا الخطاب يروي دولابويسي حكاية حدثت في مدينة اسبارطة اليونانية.. احد مشرّعي تلك المدينة يقوم بتربية كلبين صغيرين من نفس الام ..اخوة .. يربي احدهما في بيته ويترك الاخر في البرية.. في احد الايام يقوم هذا المشرّع الاسبارطي بجمع الناس في ساحة عامة.. يجلب الكلبين ويضع امامهما صحن حساء وارنب.. وما ان يطلقهما حتى ينطلق الكلب الذي عاش في البرية بسرعة خلف الارنب.. اما الكلب الذي عاش في البيت فيتوقف امام صحن الحساء.. هذا المشرّع الاسبارطي اراد ان يبيّن لسكان مدينته ان التربية وليست الجينات الوراثية هي المسؤولة عن السلوكيات.. بمعنى اخر، ان الثقافة وليست الطبيعة هي من تحدد سلوكيات البشر.. وان العبودية او الحرية هما تربية قبل كل شيء.. لماذا اروي هذه الحكاية؟

هاشم العقابي نشر قبل ايام مقال عن قيمة الحرية عند العراقيين.. يقول فيه ان "حب العراقيين للحرية لم يأت مصادفة، بل توارثوه في جيناتهم عبر آلاف السنين من ايام حضاراتهم الاولى".. وهو لكي يدعم هذه الحجة يقول انه سمع "في محاضرة للباحث الدكتور علي الشوك في ديوانية الكوفة بلندن في نهاية التسعينيات ، ان السومريين اذا نصبّوا ملكا جديدا ياتون به الى ساحة عامة وينادون على مواطن من اقل الدرجات الاجتماعية، وقد يكون شحاذا، ليصفع الملك الجديد. هذه الطريقة فسرها الشوك بانها رسالة للملك ليتعلم الاذعان لشعبه". انتهى

ساترك جانبا المغالطة التاريخية النائمة في جملة هاشم العقابي الاولى بخصوص مفردة العراقيين العابرة للقرون.. وساتحاشى "سالفة" الجينات المتوارثة عبر الاف السنين لان حكاية كلاب اسبارطة كفيلة بتفنيدها.. ولكنني ساتوقف عند "حزورة" ان السومرين اذا نصبوا ملكا ينادون بشحاذ ليصفعه !! العقابي يقول انه سمع هذه الحكاية في التسعينات.. وان الدكتور علي الشوك "كشفها" .. ترى الا يوجد بعد كل هذه السنوات كتابا يسجل هذا الكشف ؟؟ يبدو ان المصادر هي اخر هموم ثقافة القيل والقال الحكواتية.

اولا، المعلومات التي نملكها عن تاريخ ما بين النهرين القديم وعلى قلتها تقول لنا ان عقلية ذلك الزمان تعتبر الملك "نصف اله".. فهل يُضرب نصف اله !! ثانيا من قال ان ملوك سومر كانوا ينصبون من قبل الشعب.. العرش كان وراثيا وفي احيان كثيرة كان يتم الاستيلاء على السلطة بالقوة.. ميكانزمات السلطة هي هي لم تتغير منذ القدم.. السلطة تستند دائما على هيبة صاحب السلطة.. وبلا هيبة ليس هناك سلطة.. وعلم الاجتماع االسياسي يعلمنا ان كل طقوس ومراسم السلطة تهدف الى خلق انطباع القوة والعظمة في نفوس الناس.. غاية البروتوكول والمراسم هو خلق مسافة مادية وبالتالي رمزية بين الحاكم والمحكوم.. لن اتوقف امام بطش ملوك ذلك الزمان فوحشيتهم معروفة.. يكفي ان نعرف مثلا ان الملوك الاشوريين نادرا ما كانوا يظهرون علنا.. من اجل ان يخلقوا انطباعا عند الناس بانهم يمتلكون شيء فوق بشري.. شبه الهي .. اما في اور السومرية فقد بلغت سطوة الملوك مستوى مخيف بحيث ان طقوس دفن الملك يرافقها قتل جميع حاشيته ودفنهم معه لكي يسلوه في رحلته الى العالم الاخر.. والقيثارات السومرية التي نراها اليوم في المتاحف هي لمغنين دفنوا مع الملوك السومريين.. وهاشم العقابي يقول لنا ان شحاذاً كان يضرب الملك السومري عند تنصيبه !!

قلت سابقا رأيي في الثقافة العراقية السائدة اليوم.. ويوم بعد اخر اصل الى قناعة اثق بها: نعم هناك اسباب كثيرة اوصلتنا الى الخراب الحالي.. ولكن فشل الثقافة العراقية في انتاج نخب فكرية رصينة هو احد هذه الاسباب..غياب حقل اكاديمي رصين كرس الحكواتية والشعراء نموذجا للثقافة.. وضحالة هولاء، استداراتهم، سلوكيات المرتزقة التي يمارسون.. دفع الناس الى عدم احترامهم.. وبالتالي فقدت الثقافة دورها التنويري.. وهذا ما اوصلنا الى ان دجال كـ محمد صادق الصدر يقول للناس في الفيديو المرفق هنا ان "امريكا اسست قوات التدخل السريع تحسبا لظهور المهدي وانها افتعلت حرب الخليح  لاجل ان تملىء الخليج بالبوارج الحربية تحسبا لظهور المهدي.. وان للمهدي ملف كامل في البنتاغون ولكنهم لايملكون الصورة الشخصية له".. وهذا الدجال يقدسه الملايين من الشيعة العراقيين.. والحكواتية ما زالوا يتحدثون عن حب العراقيين للحرية الذي توارثوه في جيناتهم عبر آلاف السنين.. لا اعرف عن اي عراقيين يتحدثون؟ نحن في القرن ٢١ بعد الميلاد وفي العراق ملايين ممن يمتلكون هذه النظرة السحرية الغيبية.. فما بالك بمن كانوا يعيشون في القرن ٣٠ قبل الميلاد !!

باختصار.. النظرة السحرية وبالتالي ثقافة العبيد سادت العراق القديم وتسود العراق اليوم.. والخروج من النظرة السحرية يقتضي مواجهه الحقائق كما هي ماضيا وحاضرا.. وكل طرح اسطوري للتاريخ او للعالم هو مساهمة في ادامة النظرة السحرية وبالتالي في ادامة ثقاقة العبيد.. من هنا فكل حديث عن طبيعة عراقية (علي الوردي انموذجا) او جينات عراقية او عراقي عابر للقرون هو طرح ثقافوي واسطوري يساهم في ادامة ثقافة العبيد.. كلاب اسبارطة فهمت ذلك منذ قرون.. فمتى سيفهم "مثقفو" العراق ؟

2010/12/11

على الجانب الايسر من التاريخ

قبل ايام نشر عصام الخفاجي مقال ينتقد فيه ما يسميه ظاهرة " إدانة الحاضر من خلال تجميل الماضي" وهي ظاهرة يعتبرها عصام الخفاجي "مثيرة للقلق في حياتنا الفكرية".. ما يثير قلق الخفاجي هو ان كُتّاب ينتمون الى جيل استفاد من منجزات الانظمة الثورية يكتشفون مع مرور السنين "جماليات جديدة" في العهد الملكي .. لذلك يقوم الخفاجي بتذكير هذا الجيل العاق من الكتاب ببضعة ارقام تحكي عن بؤس "الزمن الجميل" حين "كان العراق يسجل 50 الف حالة وفاة سنوياً بالملاريا بين عامي 1943 و1950" وحين "كانت نسبة الأمية لدى البالغين في العراق 82 بالمئة عام 1960" .. وهو يختم مرافعته بتقرير صادر عن برنامج المساعدة الأميركية في اذار(مارس) 1957، يعتبر فيه النظام السياسي في العراق الملكي «من أكثر الدول بوليسية في العالم الحر، إذ ثمة خمسون الف رجل أمن لسكان عددهم ستة ملايين».

قد يبدو غريبا ان يستعين شيوعي سابق بارقام برنامج المساعدة الأميركية لكي يكتب التاريخ .. ولكن الغرابة ستزول عندما نعرف ان هذا "الرفيق" كان من ضمن ثلة خبراء الشأن العراقي الذين استعانت بهم وزارة الخارجية الامريكية عام ٢٠٠٢ لوضع خطة ما بعد الاحتلال..انا اعتقد ان العراقيين الذين اختبروا الانظمة السياسية المتعاقبة لايحتاجون ارقام موظف وكالة امريكية ليفهموا الفرق بين الحريات النسبية التي كانت سائدة في العهد الملكي وبين جمهوريات الاسلاك الشائكة التي انتجها اليسار العراقي .. واذا كان لابد من ارقام في هذا الاطار فان ارقام الدكتور فينلون المتخصص في احصائيات العهد الملكي تقول ان عدد رجال الامن في نهاية عام ١٩٥٦ كان ٢١ الف رجل امن لسكان عددهم ستة ملايين .. اذا قليل من الاحترام لعقول الناس لايضر! فلو كان النظام الملكي نظام بوليسي عام ١٩٥٧ لما استطاعت كتيبة جنود احتلال القصر الملكي وقتل العائلة المالكة عام ١٩٥٨.

عصام الخفاجي يعيب على الجيل الجديد من الكتاب انتقائيتهم في التعامل مع الماضي وتزييفهم لواقع "الزمن الجميل" .. ولكنه في مقاله يستخدم نفس الاسلوب الانتقائي والمزيف للتاريخ .. الخفاجي يقول مثلا ان "نسبة الأمية لدى البالغين في العراق كانت 82 بالمئة عام 1960" ويترك القارئ تحت صدمة هذا الرقم الكبير .. من دون ان يقول له كم هي نسبة البالغين من مجموع عدد السكان في العراق انذاك .. فعندما نعرف ان الاطفال تحت سن العاشرة في العراق يشكلون ٣٤ بالمئة من السكان حسب احصاء ١٩٤٧.. وعندما نضيف الى ذلك الفئة العمرية من ١٠ سنوات الى ١٧ سنة وهي شريحة لاتدخل في فئة البالغين .. فان فئة غير البالغين ستشكل تقريبا نصف عدد السكان عام ١٩٤٧.. واذا علمنا ان هذه الفئة قد ازدادت في عام ١٩٦٠.. سنفهم عندها ان فئة غيرالبالغين هي في الحقيقة اكثر من نصف عدد السكان .. اي ان "نسبة 82 بالمئة من الأمية لدى البالغين في العراق عام 1960" تنطبق عمليا على اقل نصف السكان.

اختيارعصام الخفاجي لفئة البالغين ليس اختيارا بريئا.. فهو يفعل ذلك لكي لايتطرق لنسبة التعليم داخل فئة غير البالغين .. واهم انجازات العهد الملكي نظرا لحداثة عمره تكمن هنا .. يكفي ان نعرف ان مجموع التلاميذ في المدارس الابتدائية والمتوسطة في عام ١٩١٥ كان يبلغ ثمانية الاف تلميذ فقط ..اما في عام ١٩٥٤ فقد بلغ مجموع التلاميذ في المدارس الابتدائية والمتوسطة ٤٣٩٤٨٤، اي ما يقرب النصف مليون تلميذ .. وعدد التلاميذ من هذه الفئة قد ازداد حتما عام ١٩٦٠ وهي السنة التي يتوقف عندها الخفاجي.. وهذه الارقام ليست ارقام "ابناء باشوات" ولكنها ارقام نجدها عند اكاديميين من مثل فيب مار ومايكل ابل ..عندما نستحضر هذه الارقام، سنفهم الطفرة الهائلة التي حصلت في مجال التعليم رغم الامكانيات المادية المحدودة للعهد الملكي.

وساضع هنا مقتطف من تقرير الدكتور فينلون المتخصص في احصائيات العهد الملكي عن موارد العراق من النفط انذاك لا عطاء صورة عن امكانيات العهد الملكي المتواضعة.. وبحسب هذا التقرير فان موارد العراق من النفط عام ١٩٥٠ كانت ستة ملايين دينار .. وعام ١٩٥٥ بلغت ٧٤ مليون دينارا .. وعام ١٩٥٦ بلغت ٦٩ مليون دينار .. وسبعون بالمئة من هذه المبالغ كانت تخصص لمكتب التنمية العراقي .. وهو المكتب الذي خطط ونفذ الاغلبية الساحقة من البنى التحتية في العراق وخصوصا السدود التي كانت ضرورية لمنع الفيضانات المدمرة التي كانت تفتك بسكان العراق سنويا.

The main-spring of the progress has been the great increase in government oil revenues which grew from some six million Dinars in 1950 to 74 million Dinars in 1955. In 1956, they were 69 million Dinars. These revenues have been carefully husbanded and 70 per cent is allotted to the Development Board each year for productive capital expenditure. - K. G. Fenelon, National income in Iraq

من هنا فالسؤال هو ليس لماذا يكتشف الجيل الجديد "جماليات جديدة" في العهد الملكي ..فالتاريخ اراء وحجج لا تنتهي كما يقول المؤرخ بيتر جيل في كتابه "ضد ومع نابليون" حيث يقول ان تقييم شخصية نابليون قد تباينت من جيل فرنسي لاخر.. ولكن السؤال هو لماذا يستمر مجترو المادية الديالكتيكية في النظر للتاريخ من منظور غير ديالكتيكي .. لماذا لا ينظر الخفاجي للتاريخ من منظور تراكمي..هل من الامانة التاريخية ان ننسب بقايا قرون من التخلف الى العهد الملكي .. هل كان بامكان النظام الملكي الذي حكم اقل من اربعة عقود ازالة  تخلف اربعة قرون ؟ 

هذه الاسئلة لاتخطرعلى بال الخفاجي لانه من جيل طوباوي .. جيل لم يقارن واقع العهد الملكي بواقع اسبق ولكن بافكار مجردة فقط .. جيل تمنعه ايديولوجيته من فهم حقيقة ان الامراض والامية التي كانت سائدة في العراق هي ليست من مخلفات العهد الملكي ولكنها بقايا قرون من التخلف الاداري والحضاري .. جيل غير قادر حتى اليوم على فهم حقيقة تاريخية بسيطة وهي ان العهد الملكي هو من انتج الجيل الاول من الاطباء والمهندسين والاساتذة والكوادر التي بنت الدولة العراقية .. جيل لم يفهم بعد ان العراق الحديث قام بفضل الملك فيصل الاول . 

عصام الخفاجي يقول ان كون معظم كتاب ومروجي ما يسميه خرافة الماضي الجميل منحدرون من اصول اجتماعية متواضعة يعني أن مجتمعاتنا مصابة بمرض انسداد أفق المستقبل.. انا شخصيا اعتقد ان اعتراف اشخاص ينحدرون من اصول اجتماعية متواضعة بالعرفان للعهد الملكي هو شيء ايجابي .. ان يستطيع هولاء النظر للامور من دون تأثيرات انتماءتهم الفئوية الضيقة هو دليل نضوج سياسي .. فالعراق قتلته وتقتله الايديولوجيات والانتماءات الضيقة .. فعندما يحدد الانتماء الضيق الموقف من الوطن .. يموت الوطن .. هناك مقوله رائعة لـ البير كامو قالها ردا على الشيوعيين الفرنسيين الذين انزعجوا من نقده لجرائم الاتحاد السوفييتي واخذوا يذكرونه بتاريخه الاشتراكي واصولة المتواضعة .. كامو رد عليهم قائلا : "اذا ما بدت لي الحقيقة في معسكر اليمين فاساكون يمينيا".. بمعنى ان الحقائق وليس الخنادق الايديولوجية هي من تحدد موقف الانسان من العالم.

وعصام الخفاجي ما زال يكتب التاريخ عبر ثنائية ابناء الباشوات وابناء الاصول المتواضعة.. وهو لذلك يطلب من ابناء الاصول المتواضعة ان يحكموا على التاريخ وفقا لانتمائاتهم الفئوية .. فقط عندما نفهم هذه السطحية في النظر للتاريخ من قبل استاذ جامعي كعصام الخفاجي .. سنفهم مستوى القحط السائد على "الجانب الايسر" من التاريخ حيث يسود نموذج "ماركس ابو دشداشة".. وسنفهم ايضا السهولة التي نزع فيها جمهور اليسار العراقي معطف "كارل ماركس" وارتدى "العمامة"..فالرؤوس الهشة بحاجة دائما الى انتمائات فئوية..طبقية ام طائفية..سيان..المهم ان تختفي الضحالة الشخصية في بهائمية المجموع.

2010/11/28

العصا التي سمّت نفسها جمهورية.. الشخصية البوفارية

بوفاة المؤرخ عبد العزيز الدوري في الاسبوع الماضي .. اختفى اخر ممثل لجيل رصين من الاكاديميين العراقيين .. جيل انتج افضل ما في المكتبة العراقية من كتب ..فعبد العزيز الدوري وشاكر مصطفى سليم هما افضل ممثلي هذا الجيل في العلوم الانسانية .. هذا الجيل الذي انتجه العهد الملكي وكان في طريقه لتأسيس حقل اكاديمي ناضج قتله العهد الجمهوري .. فانقلاب ١٤ تموز ١٩٥٨ الذي جاء بالعسكر والشيوعيين كان ايضا انقلابا في الحقل الاكاديمي .. فقد تم فصل كثير من الاساتذه لاسباب سياسية ومنهم عبد العزيز الدوري رئيس جامعة بغداد وواحد من مؤسسيها وابدالهم بشيوعيين .. انذاك كانت بغداد تختبرعمليا مقولة باكونين :"حياة الناس لن تكون سهلة حينما تسمي العصا التي تضربهم نفسها جمهورية".. باكونين قال جملته هذه منتقدا السلطوية النائمة في افكار كارل ماركس.

وهكذا كان.. العصا التي سمت نفسها جمهورية ارست نهجا جديدا : اهل الثقة في محل اهل الخبرة ..الشقاوات بدل العقول.. منذ ذلك الحين بدأ الحقل الاكاديمي العراقي الناشئ مسار اندثاره.. فهجرة العقول العراقية بدأت يوم احتلت العصي والحبال شوارع العراق.. المذهل هو ان "ماركس ابو دشداشة" لم يفهم حتى الان ان ظاهرة "عبد حمود" هو مسار بدء في تلك اللحظة ! فرض الحزبيين في الحقل الاكاديمي قتل اهم شروط الحقل الاكاديمي: الكفاءة والاستقلالية.. فبلا كفاءة واستقلالية ليس هناك حقل اكاديمي.. وبلا حقل اكاديمي ليس هناك ثقافة.. وبلا ثقافة ليس هناك مجتمعات ناضجة.. منذ ذلك الحين والعراق يعيش في صحراء فكرية.. منذ ذلك الحين والثقافة العراقية يهيمن عليها الشعراء والحكواتية.. منذ ذلك الحين والثقافة العراقية تهيمن عليها الشخصية البوفارية.
الشخصية البوفارية بحسب جول دوغوتيه هي نتاج خلل في الشخصية يدفع صاحبها الى تصور نفسه شخص اخر لا يمت بصله لذاته الحقيقية.. وسبب هذا التصور هو حماسة واعجاب بتلك الشخصية المتخيلة مما يدفع الشخص الى تقليدها تقليد سطحي في الملبس والخطاب والحركات.. مما ينتج شخص قرقوزي.. سطحي.. شخص يمتلك تصورا خاطئا عن ملكاته الحسية وامكانياته الفكرية.. وسبب شيوع الشخصية البوفارية هو انتشار التعليم على نطاق واسع.. وسيادة نظام تعليمي يقدم الكمي على النوعي.. مما ادى الى ان الافكار الفلسفية والادبية والعلمية تصبح مبذولة امام اشخاص لايمتلكون الادوات الذهنية الكافية لهضمها واستيعابها.. والنتيجة هو وهم الفهم.. مما يخلق ظاهرة انصاف المتعلمين.. ما هو تراكم اجيال من النخب الفكرية يصبح مبذولا امام اشخاص يمتلكون ذهنيات محدودة.. وهذه الفجوة بين تعقيد الفكر وسطحية التلقي تخلق شخصيات منتفخة بوهم الفهم.. شخصيات تستهلك فكرة الواقع قبل تجربة الواقع.. تستهلك فكرة الحب قبل تجربة الحب (مدام بوفاري انموذجا).. وعدم قدرتها على تمييز الفكرة عن الواقع يدفعها الى علاقة مَرَضيّة وصِدامية مع الواقع.. وبالتالي علاقة عنيفة مع محيطها.. والويل للمجتمعات التي تقودها شخصيات بوفارية.

لسؤ حظ العراق ان تراكمه المؤسساتي كان شبه معدوم عندما استلم اليسار العراقي السلطة.. فاليسار العراقي وخصوصا الشيوعيون العراقيون هم نماذج بوفارية بامتياز.. الكليشة السائدة في العراق والتي رسخها صندوق الكليشات علي الوردي هو ان العنف في العراق سببه بداوة الشعب العراقي وطبيعة الفرد العراقي.. ولكن هذه الكليشة الثقافوية تفشل في فهم حقيقة ان بلدان اكثر بداوة من العراق لم تنتج عنفا سياسيا.. الملك فيصل الاول رجل من بيئة بدوية ولكنه كان قمة في الاعتدال السياسي.. لماذا !؟

الثقافة البوفارية السطحية عملت على اشاعة هذه الكليشة الثقافوية لان امكانياتها الفكرية لاتسمح لها بفهم المعقد.. ثم ان الطرح الثقافوي يعفيها من طرح سؤال مسؤولياتها.. فالعنف السياسي في عراق نهاية الخمسينات والستينات هو نتيجة صعود ووصول الشخصية البوفارية الى السلطة.. مسار خراب العراق بدء منذ تلك اللحظة، حين تم تحويل الجامعة العراقية الى دكاكين حزبية.. وبدء مشروع الرجل غير المناسب في "المكان المناسب".. انها اللحظة البوفارية التي كرست ثقافة التسطيح الفكري التي لازالت سائدة في العراق ..اللحظة التي اصبح فيها سحل الناس وشنقهم في الشوارع يسمى حرية !! اللحظة التي اصبحت فيها العصا التي تضرب الناس تُسمى جمهورية !